الجصاص

80

الفصول في الأصول

عليها دون غيرها ، ويكون في معنى المجمل . كأنه قال : أو خبر التفرقة بينهما في بعض الوجوه ، فكل بعض أشرنا إليه قبل ورود البيان فيه فجائز أن يكون مما لم يفرق به بينهما ، فالاحتجاج بمثله فيما وصفنا ساقط لا معنى له . ومنهم من يحتج بقوله تعالى : ( إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) ( 1 ) فلما أمر بالتثبت في خبر الفاسق دل على أنه لا يجب التثبت في خبر العدل ، فوجب قبوله من جهة أن المخصوص بالذكر يدل عندهم على أن ما عداه فحكمه بخلافه ، وهذا الضرب من الحجاج لا يجوز الاشتغال به ، وقد بينا فساده . واحتج بعضهم لقبول خبر الواحد بقوله تعالى : ( استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) ( 2 ) قال : فقد اقتضت الآية إجابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دعاه وهو واحد . فقال أبو بكر وهذا ليس بشئ من وجوه : أحدها : أن الذي يقتضيه ظاهر مشافهة النبي عليه السلام إياه ليس هو دعاء النبي عليه السلام في الحقيقة ، كما أن قوله ليس هو قول النبي عليه السلام ، فلا يدخل في الآية من عدا النبي عليه السلام إلا بدلالة . فإن قيل : لما جاز في المتعارف أن يقال : دعاني فلان ، وإنما أرسل إليه برسول تناول لفظ الآية ، دعا النبي عليه السلام إياهم شفاها ، وبإرساله من أرسل ، إليهم . قيل له : قد علمنا أن دعاء النبي عليه السلام إياهم شفاها مراد بالآية ، وهو حقيقة اللفظ ، وما ذكرته فإنما هو مجاز ، فلا يجوز دخوله في اللفظ من وجهين . أحدهما : أن المجاز لا يستعمل إلا في موضع يقوم الدليل عليه . والثاني : أن اللفظ متى حصل على الحقيقة انتقى دخول المجاز فيه . وأيضا : فإن لخصمه أن يقول : ثبت أن الواحد إذا جاء فذكر أنه ( مدعو من ) ( 3 ) رسول الله ، أنه قد حصل هناك دعاء من النبي عليه السلام ، إذ ليس يثبت عندي أنه دعاء من الرسول ، دون أن ينقله من يوجب خبره العلم ، فيسقط الاحتجاج به ، بدلالة تحتاج أن تثبت أنه قد حصل هناك دعاء من النبي عليه السلام .